بو النعمان ــ نسمة النوء - منتديات الح ـرف المتمرّد
 
 

العودة   منتديات الح ـرف المتمرّد > [ وَدَقْ ] ! > حكاية

حكاية أحْكي لِك أجمل حِكاية , عن قِصّة حب وقلبين ! ..

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 07-31-2015, 11:52 PM   #1
محمد العروسي
مُتَمرّدٌ مُتألّق !
 
الصورة الرمزية محمد العروسي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 101
معدل تقييم المستوى: 13
محمد العروسي will become famous soon enough
افتراضي بو النعمان ــ نسمة النوء

لاشك أن اليوم كان شديد العصف والنوء ، مما اعتادت عليه وأنا في السرحة ؛ لكنها ابتسمت ، ثم انسلت بسرعة إلى حجرتها .
حاولت أن تسترد لقطة الرضا التي التقطتها من المرأة العجوز ، وأن تستلذ بشهدها ، وأن تجعل منه قطعة الشهد كالتي كانت تقتطفها من جِباح النحل حين تزهر براعيم الأعشاب في الغابة ، وخاصة تلك التي تعترش أحضان النجود ؛ كانت تستهويها ، فتقطفها بعناية وحنو ، ثم تصنع منها إكليلا تضعه على قنتها ، بعد أن تكون قد رمتها في اتجاه قرص الشمس المبتسم ، فهي الآن أميرة أمازيغة تحتفل بما زين صدرها من وسامي أنوثتها ، وتتمايل في تمايس خيزراني ،فترقص وتطلق صوتها بأرجوزة مما حفظته من مواسم الحصاد التي كانت تقام على ركح الحوش وسط أكواخ القرية .
لم تشط عنها همسة تلك المرأة العجوز وابنتها ، حاولت أن تستجمع لحظتها ، لكن النعاس أقبل مدغدغا ما تحاول استرجاعه من صور المساء ، فاستسلمت لهمسه ، وهي تبتسم ، وراحت مستسلمة لما سيأتي به الوسن ، ولأول مرة حين أقبلت أمها بجرس الصباح ، وجدتها نشيطة مرحة ، فلم ترفع صوتها كما اعتادت من قبل .
استيقظت ميلودة مثل فراشة وهي تشق أحجبة الشرنقة ، نظرت إلى أمها ، وتشوفت إليها ، وكأنها تفعل ذالك لأول مرة ، كما فعلتها ، حين احتضنتها لأول مرة بعد عناء الولادة ، و ميلودة تصرخ مستغيثة ، وهاهي هذا الصباح ترمق أمها لعلها ترى في إشراقة عينيها ما يمكن أن تطمئن له ؛ من ذالك الحلم الذي كاد يصبح كابوسا ، خاصة حين يطرأ طيفه قبيل الفجر ، فتنتفض ،لكنها لم تكن تجد شيئا ، غير الظلمة تلف جسمها النحيل ، فتتعوذ ، وتلعن في همهمة مهموسة حتى لا تزعج أخاها الذي يغط في وسن عميق ، فتتسلل من تحت الغطاء ، وتلتقط برفق محفظته بحنان رقيق ، للحظة يسيرة ، ثم ترجع وسط الظلمة إلى الفراش ، كمن اقتنص لحظة عسرت عليه ، وتحاول أن تغلق عينيها ، وهي والحلم الشقي يداعبهما في عناد .
لم تمهلها أمها ، اقتربت منها ، وعينيها لا تشرد عنهما تلك الإشراقة التي تحير ميلودة كل إسفرار صبح جديد ، لمست خصلات شعرها ، فانتصبت البنت وأدارت بوجهها إلى الناحية الأخرى من الحجرة ، لم تصرخ ميلودة في وجه أمها وهي تمشط شعرها الأشعث ، كما كانت تفعل من قبل ، فقد أحست بأن المشط وأنامل أمها يداعبان شعرها ، كما لم يفعلا ذالك في الماضي ، فتسرب إلى حاسة أنوثتها أن شيئا ما سيحدث هذا الصباح ، وكغير عاداته . لم تمهلها الأم .
ـــ إنك اليوم لن تخرجي بالقطيع إلى السِّرْحَة ؛ فالتفتت إليها ، والقلب يكاد يتفطر من حبسه ، وفي عينيها اللتين لم يفارقهما أثر النعاس ، وعلى وجهها أكثر من علامة استفهام حائرة ، والأم تحملق في صمت يكاد يبين عن أشياء لم تسمعها ميلودة ، حين :
ـــ نعم إنك لن تخرجي إلى السرحة منذ اليوم ؛ ازدادت حيرة ميلودة ، هكذا أمر أبوك ؛
فأحنت ميلودة رأسها ، وانتظرت من أمها أن تتم أوامر الأب :
ـــ هل تذكرين النسوة اللواتي أتين البارحة ،
أجابتها ميلودة ، بهمس يكاد لايسمع
ــ نعم . . نعم ، وهل سأذهب إلى المدرسة مع أخي ؟ فقد كانت تعتقد أن الفرج قد حلت بشائره ، وأن أبواب المدرسة أصبحت مشرعة .
ـــ لقد جاءت النسوة بالأمس ، ليخطبوك لابنهم ؛ انكسرت ميلودة ، وأحنت رأسها وقد احمرت خديها في حياء وحيرة ، بينما الأم تضفر من خصلات شعرها بعناية ، وميلودة ساكنة لم تتحرك ،فقد وقعت عليها كلمات أمها أشد مما كان يحدث لها مع رياح النوء والعاصفة ، وهي تسرع في كل وجهة ، تجمع أفراد القطيع حتى لا تشرد بها ، بينما ها الان ،لاتدري ماذا ستفعل .
حين أحست الأم بأن ابنتها لا تسمعها صوتا ،ربتت على كتفها برقة وحنو :
ـــ لا تجزعي ؟ هذا نصيبنا من الحياة ، فأنا حين قدمت جدتك إلى بيتنا في مثل هذه المناسبة ، لم أكن قد تجاوزت سنك ، لم تكن لي معرفة مسبقة بما سيحدث بعد تلك الزيارة ، ولم لأكن أعرف عن أبيك شيئا ،غير أنه من أبناء المدشر المجاور لقريتنا ؛ ولقد تفاجأت مثلك ، لكن أمي أخبرتني ، كما أفعل الآن أنا ، ولم يكن لي اتصال بأبيك إلا عندما حل موعد العرس ، . . . نعم ،
بينما الأم تحدث ابنتها بما حدث لها ، كانت ميلودة تحاول أن تنسل من حضنها ، كعادتها حين تفاجأ بشيء ما لم تستعد له ، فانسلت ، وتسللت إلى الحوش لعلها تجد قطيعها في الانتظار كما اعتاد ؛ لكنها لما فتحت باب الحوش وجدته خاويا ، فانطلقت في أثره لعلها تلقاه بخير مما هي عليه الآن ، تبعتها أمها كي تسترجعها ، لكنها اختفت بين الأحراش والأشجار مثل فراشة تبحث عن دفء الشمس . بعدما أحست بأن حضن الأم فتر أمام مطمحها الذي كانت تتوق إليه ، وها هي تزف إليها ما لم تكن تتشوف إليه قبل زيارة تلك النسوة مساء البارحة .


الدار ابيضاءاء 16 / 07 2015
__________________



لسنا وإن أحسابنا كرمت 0 0 يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا 0 0 تبني ، ونفعل مثل ما فعلوا
محمد العروسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:36 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd diamond