بدا كمن يودعك بحديثه
دون أن يقول لك الوداع صُرَاحا ً
وكم تثير الشجون أحاديث الراحلين
أخذ يستجمع خيوط ذاكرته ويحيكها خيطا ً
خيطا ً ,
وكلما قارب الوقت على الآنتهاء يشيح بنظره عن الساعه
كأننا حين نولي الساعات أظهرنا سيتوقف الزمن لآجلنا
ولبرهة ساد صمت مهيب
ذاك الصمت الذي يفيض بإنحناء الرؤوس ودموع حبيسة
المآقي والكثير من الكلام الذي لايمكن قوله إلا بالعيون
كنا جميعا ً نخشى الحديث عن النهاية
ونتحاشاه كلما أيقنا بأن بعض الكلام يجر بعضا ً
أخذنا نحرك الملاعق الصغيرة داخل الآقداح
مع علمنا أنها فارغة
وأننا استنفدنا الشراب حينما كنا نتهرب من
الوداع مع أننا كنا ممتلئين ولسنا بحاجة للمزيد من الطعام
ورحل كمن يرحل لبيته وسيعاود المجيء غدا ً
وكان الوداع الباكي الذي تخلينا أننا سنفارقه به ليس
إلا خرافة
ما كان يستحق أن يرحل بهذه الطريقة القاسية
دون وداع , دون أن يقول له أحدهم على الاقل : انتبه لنفسك
وكأن أمره لا يعني أحدا ً , وكأنه عابر سبيل
يرتحل ويسافر دون أن يخاف عليه أحد , يسأل عن أحواله أحد
كان يجب أن يدمعوا دمعا ًيليق برحيله ,
أن يمنحوا أشياءه الصغيرة التي خلفها لهم قداسة ً كهيبة حضوره
أن يتشبثوا بمعطفه ويحيطوه
أن يلعنوا المطارات التي
تأخذهم إلى السماء بعيداً عن أوطان ما آمنوا يوما ً أنها كومة أحلام
ثم ترمي بهم إلى بلاد تجهلهم وتنكرهم
حيث لا وطن كوطنهم
لا مطر كمطرهم
لا شمس كشمسهم
لا ظل كظلهم
لا شوارع كالتي اعتادوا السير فيها
حيث , لاشيء
سوى
أن يحيطوا أنفسهم بذكريات الآفول , خائفين أن تهب لهم الغربة
مساحة أوسع مما ارتضوه للتفكير فيما لا يرتضوه
أن يحصوا أحزانهم
بينهم وبينهم !
دون أن يعوا في أي اتجاه يرحلون
فسلموا أنفسهم , إلى حيث تأخذهم القطارات !